الحكيم الترمذي

454

ختم الأولياء

له حد ولا نهاية . حصرت قلوب العارفين عن التفتيش بكيفيته . وانقطعت أوهام الموقنين باستدراكها بالكلية . ورجعت ابصار قلوبهم خاسئة هايبة ، اجلالا وتعظيما ، لمّا سارت اوهامها في بحر المعرفة ، ولجّجت في تيارها ، وأقلعت بها سرعتها رجاء سرعة السير إلى كنوز العلم منها . - قلت : أيّ شيء بلغوا من ذلك ؟ - قال : انما مبلغهم من ذلك على ما طابت لهم الريح ، وسارت بهم الريح ، واستقاموا على الاستواء ، حتى وصلوا إلى معادن الجواهر ، فتخيروا منها نورا يسطع بالهداية . - قلت : رحمك اللّه ! قد صعّبت عليّ الأمور ، ودقّقت عليّ المذهب ، وأبعدت على الشقّة ، بعد ان رجوت بلوغها . ضاق قلبي وحدثتني نفسي بطول المدة ، قبل بلوغ الغاية . - قال : لا تعجل ! إنما قرّبت عليك البعيد ، وسهّلت عليك الشديد . قلت : وقد سمعت ما وصفت ! - قال : حيث رجوت أن تكون قد فهمت عني . ويحك ! عجزت بعد ان دللتك علن كنوزها ، وأبنت لك المنار على المحجة عليها وقرّبتك إلى بابها ، وزدت في حرصك على الهجوم ؟ ويحك ! لا يضيق قلبك ، ولا يفتر عزمك ، ولا تحدث نفسك بالضعف في أمرك . ان المعونة متآلفة إلى من طلبها ، ومنصبة إلى من اشفق عليها . وليكن مثلك في طلب المعرفة . مثل الراعي الشفيق ، الكيّس ، الرفيق ، المحتال ، المتأدب . إذا نفرت عنه الغنم في رؤس الجبال وبطون الأودية ، صاح بها صيحة من يريد ان يذودها عن مراتع الهلكة . فاستجمعت له ولحق آخرها بأولها . فسار بها حيث يريد . فهكذا ، يا فتى ، إذا أردت المعرفة وجمعها : فكن حريصا عليها ، معنيا في طلبها ، متفقدا في أحوالها ، عاملا في معانيها ، راغبا فيها رغبة من قد عرف قدر منافعها . حتى إذا وصلت إلى شيء منها ، دلّك أولها مع آخرها ؛ واستجمعت لك برفقك بها ، وحسن صبرك عليها ، كما استجمعت الغنم لراعيها . فسرت في محجة الأبرار إلى منازل الأخيار ! » - ( نفس المصدر ورقة 40 / ا - 42 / ب ) . 11 ) المحاسبي : « قلت : رحمك اللّه ! ان علامة محبة العبد للّه ، عز وجل ، اتباع مرضات اللّه والتمسك بسنن رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم . فما علامة محبة اللّه للعبد ؟ - قال : ما الذي كشف لك عن علم هذا ؟ - قلت : ان اللّه عز وجل ، يقول : « إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ » فعلمت ان علامة محبة العبد للّه اتباع رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم . ثم قال : « فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ » . فما علامة محبة اللّه ، عز وجل ، للعبد ؟ - قال : لقد سألت عن علم رصين ، وخطر جسيم ، غاب عن كثير من أهل العلم فهمه . نعم ، يا فتى ! ان علامة محبة اللّه للعبد ان يتولى اللّه سياسة همومه فيكون جميع همومه هو ، عز وجلّ ، المسير لها . فهي الهموم التي لا تعترضها حوادث القواطع ولا سبيل إلى التوقف بها . فاخلاقه على السماحة ، وجوارحه على الموافقة . تصرخ به وتحثه بالزجر والتهدد . - قلت : ما الدليل على ذلك ؟ قال : خبر النبي ، صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أحب اللّه عبدا جعل له واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه ، يأمره وينهاه » . - قلت : زدني من علاماته . - قال : ليس شيء أحب اليه من أداء فرائضه ، بمسارعة من القلب والجوارح ، والمحافظة عليها . ثم العلامة بعد ذلك ، كثرة النوافل كما قال النبي ، صلى اللّه عليه وسلم : « بقوله اللّه ، عز وجل : ما تقرب عبدي اليّ